موقع الإسلام اليوم 24-صفر-1431هـ / 8-فبراير-2010م
بشكلٍ مفاجئٍ أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد استعداد بلادِه لإتمام صفقة تبادل اليورانيوم المخصب مع الدول الكبرى دون توضيح الأسباب التي أدت إلى قبول الصفقة الآن بعدما كان قد تم رفضها من قبلُ، ودون توضيح تفصيلات هذا القبول، فهل وراء ذلك سرٌّ كبير قد تعلن إيران عنه عاجلًا أو آجلًا أم أن لذلك علاقةً مباشرة بالاستعدادات الأمريكية المشاهدة لعمل عسكري ضد إيران؟!
الكثيرون من المراقبين والمحللين يرون أن الاحتمال الثاني هو الأرجح؛ اعتمادًا على التقارير التي أوردتها وسائل الإعلام الأمريكية المقرَّبة من مراكز صنع القرار ومنها صحيفتا "النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" حيث أكدتا في تقارير نشرت منذ أيام أن واشنطن وضعت بطاريات صاروخية مضادة للصواريخ من طراز "باتريوت" في أربع دول من دول الخليج العربي هي الإمارات وقطر والبحرين والكويت، بالإضافة إلى عددٍ آخر من هذه البطاريات على البوارج الحربية المنتشرة في المياه الدولية بالخليج وحولَه.
ويستدل هؤلاء المراقبون والمحلِّلُون على صحة ما ذهبوا إليه، بما تسرَّب من نتائج لزيارة "لاريجاني" الأخيرة للكويت، حيث دعا الدول الخليجية علنًا إلى عدم السماح للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام أراضيها منطلقًا لتوجيه أي ضربة عسكرية لإيران، واعتبروا ذلك دليلًا واضحًا على قناعة "طهران" بجدية الاستعدادات الأمريكية للقيام بعملٍ عسكري منفرِد أو مشترَك مع إسرائيل ضد أهداف استراتيجية بإيران.
والمعروف مما يصبُّ في نفس الاتجاه أن لغةَ الخطاب الأمريكي كانت قد تغيرت بشكلٍ ملحوظ في الآونة الأخيرة؛ حيث عادت لاستخدام مفردات تدور حول العمل العسكري بعد مدة طويلة من اعتماد مفردات تتعلق بالعمل السياسي والدبلوماسي فقط بمناسبة صعود "باراك أوباما" لسُدَّة الحكم في الولايات المتحدة قبل عام تقريبًا مبشرًا بالسلام والحوار الفعَّال كآلية لحل الخلافات الدولية.
وربما يكون ذلك صحيحًا بدرجة أو أخرى ولكن السؤال هو: هل تستسلم إيران هكذا بسهولة لفكرة تبادل اليورانيوم المخصب مع الدول الكبرى دون قيدٍ أو شرط؟!
يجيب هؤلاء المراقبون والمحلِّلُون على هذا السؤال بالإيجاب معضدين رأيهم بنقطتين إضافيتين هما اتجاه الدول الكبرى، بما في ذلك روسيا؛ لفرض عقوبات جديدة أشد على إيران، والتوتر الحاصل على مستوى الرأي العام الإيراني نفسه، حيث اشتدَّتْ وتيرة المعارضة للنظام الحاكم في إيران من جانب، وأخذت أساليب التعامل مع المعارضة تنحو نحو الشدة والقمع إلى درجة صدور أحكام بالإعدام على البعض، وهو الأمر الذي يعتبرُه البعض دليلًا على خَلَل ما في العلاقة بين النظام ومناوئيه إلى درجة تهدِّد وحدة الشعب الإيراني ذاته!!
ولكن يبقى أن الأدلة التي استخدمها هؤلاء -فيما نرى- ليست جديدة؛ حيث كانت موجودة -ولو بدرجة ما- حينما رفضت إيران الصفقة منذ عدة أسابيع معدودة، ولا يتصور أن تؤدي الدرجة الحالية من الاستعدادات لعمل عسكري ضد إيران أو فرض عقوبات جديدة أو حتى انقسام الرأي العام الإيراني إلى هذا التحوُّل الجذري في الموقف الإيراني تجاه الملف النووي الذي يعد هدفًا استراتيجيًّا لإيران لا يمكن التخلي عنه بهذه السهولة.
ويدعم هذا الاتجاه الذي يتبناه فريق آخر من المراقبين والمحللين أن نشر أضعاف هذه الأعداد من بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ في دول الخليج وعلى البوارج الأمريكية المنتشرة في المنطقة وحولها، لن يكون كافيًا لحماية الدول الخليجية ولا إسرائيل من ترسانة الصواريخ التي تملكُها إيران، وخاصةً إذا كانت الخبرة العملية لاستخدام "الباتريوت" فيما سبق تدلِّل بوضوح على أن كفاءتها غيرُ مضمونةٍ بالدرجة التي تطمئن دول الخليج وإسرائيل والقوات الأمريكية ذاتها، وهو ما يعني أن المخاطر التي تعمل أمريكا لها ألف حساب -وكذلك دول الخليج وإسرائيل- لا تزال قائمةً، وبالأخص فيما يتعلق بحقول النفط المنتشرة في المنطقة، والتي يعتبر تأمينها هدفًا استراتيجيًّا لأمريكا ودول الخليج لا يمكن المراهنة عليها بهذه السهولة.
ويضاف إلى ذلك أن مسألة العقوبات قد ثبت فشلُها على مدار التاريخ، حيث تتمكن الدول المستهدفة من التأقلم معها مهما كانت شدتها، خاصة إذا كانت هذه الدول لديها من الثروات وبالأخص البترولية ما يجعل الآخرين أو بعضهم يعارض هذا الاتجاه قبل أن تعارضه الدول المستهدفة ذاتها، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة قد تؤثر في مسألة العقوبات وشدة الالتزام بها مثل الصراع الجلي أو الخفي بين الدول الكبرى لأسباب كثيرة، كما هو الحال الآن بين الصين وأمريكا مثلًا، إذ لا يُعقَل أن توافق بكين على حزمة جديدة من العقوبات ضد إيران تمشيًا مع السياسة الأمريكية، بينما تضغط واشنطن عليها في قضايا أخرى مثل دعم تايوان بالأسلحة المتطورة والتلويح باحتمال استقبال "أوباما" قريبًا للدلاي لاما زعيم التبت الانفصالية وهكذا.
وفيما يتعلق بانقسام الرأي العام الداخلي في إيران فالمشاهد حتى الآن أن هذا الموضوع لا يمكن التعويل عليه بشكلٍ جدِّيّ، حيث لا تزال الأغلبيةُ داعمةً لنظام الثورة الإيرانية ولا يزال النظام قويًّا ومسيطرًا ومتحكمًا وقادرًا على استخدام مزيدٍ من العنف ضد مناوئيه.
يُضاف إلى كل ذلك أن لدى إيران أوراقًا أخرى يمكن استخدامها، وهي من الأهمية بمكان بالنسبة لأمريكا؛ كتفجير الوضع في العراق وربما أفغانستان بالإضافة إلى قدرتها على تصعيد الأوضاع في كل من لبنان وفلسطين.
ومعنى هذا ببساطة أن الوضع الحالي لا يسمح بسهولة –كما قد يتخيل البعض-بعمل عسكري له كل هذه الآثار والنتائج على المستويين الإقليمي والدولي، ولهذا يبقى السؤال قائمًا عن سبب هذا التحوُّل في الموقف الإيراني!!
وفي محاولة للإجابة على هذا التساؤل نشير إلى نقطتين ربما يكمن فيهما التفسير؛ أولهما أن إيران قد تمكَّنت خلال المدة السابقة من إنتاج كمية من اليورانيوم المخصَّب تعوِّضُها عن الكمية التي تدور حولها الصفقة، وبالتالي تصبح مسألة الضمانات التي طالبت بها سابقًا غير ذات بال، وتكون بعرضِها الجديد قد فرَّغت الحملة الدولية ضدها من مضمونها، وثانيها أن تكون إيران في حاجة إلى فترة أطول لتنفيذ هذا أو ما شابه، ومن ثم فهي تتقدم بموافقتها الإجمالية ثم تستهلك الوقت في التقايض حول التفصيلات، حتى يتم لها ما تريد فتفاجئ العالم بما لا يتوقعه أحد.
وهناك احتمالان آخران ربما يكونان السبب المباشر فيما أعلنته طهران؛ أولهما أن تكون أمريكا قد نجحت فعلًا في تحقيق اختراق مؤكَّد في الجبهة الداخلية الإيرانية غيَّر حسابات القيادة الإيرانية أو أن تكون قوة إيران الحقيقية أقل بكثير مما صورتها وصورها الغرب حتى يبرِّر العمل ضدها، فلما جاءت لحظة الحقيقة -إذا كانت قد جاءت- اضطرت القيادة للاعتراف بالواقع فقررت الانصياع لما يفرضُه الغرب بشكلٍ يحفظ ماء وجهها، خاصةً أن الغرب يريد ذلك ويسعى إليه حفاظًا على مصالح كثيرة قد تتعرض للخطر إذا وقعت الواقعة بأي درجة من الدرجات.
كل الاحتمالات واردةُ والأفق مفتوح تمامًا، وما من رأي أرجح أو مؤكد حتى الآن!!